مدوّنة سعد المغامسي

كل الطرق تؤدي إلى اللغة العربية

اللغة العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لطالما اتخذتُ من الكتابة رفيقةً أوثّق بها تلك اللحظات التي أخشى أن يطويها النسيان؛ ولم أجد حقيقةً حتى اليوم وسيلةً تحفظ حرارة اللحظة كما تفعل الكلمات. يقولون إن الصورة تغني عن ألف كلمة، وربما يكون ذلك صحيحًا. وأنا ممن عشقوا التصوير، وكل من حولي يعرفوا ذلك جيدًا، وأحتفظ بآلاف الصور التي تختزن محطات كثيرة من حياتي. لكنني، في كل مرة أعود فيها إلى مقالتي “مراسم الوداع” الأخيرة، أجد أن الكلمات لا تزال قادرةً على أن تعيد إليّ تفاصيل تلك الأيام ومشاعرها وروائحها وضجيجها، بطريقة تعجز عنها الصورة، مهما بلغت دقتها وجوّدتها.

 

ولعل هذا هو السبب الذي دفعني، هذه المرة أيضًا، إلى أن ألجأ إلى الكتابة مستعينًا بالله أولًا، ثم بالكلمات، لأوثق محطةً جميلة مررنا بها، وأرجو أن أعود إليها كلما مضت السنوات، وأن أشاركها مع كل من يعنيه هذا الحلم الذي بدأ، بفضل الله، يرى النور.

 

قبل أيام قليلة انتهى فريق العمل اللوجستي من استقبال أول دفعة، ما يقارب الـ ٦٠ طالبًا وطالبة قدموا من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى معهد المدينة للانغماس باللغة العربية بالمدينة المنوّرة. هؤلاء الطلاب قدموا من بلدانهم الى سيدة المدن يحملون حلمًا واحدًا؛ أن يعيشوا في المدينة المنورة ويتعلموا لغة القرآن في موطنها وبين أهلها.

 

حقيقةً، وأنا أقف بينهم خلال الأيام الماضية، رأيت نفسي قبل أحد عشر عامًا عندما غادرت المدينة المنورة متجهًا إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة. تذكرت شعور البدايات، والغربة، والأسئلة الكثيرة الكثيرة الكثيرة والتي رافقتني منذ الرحلة الأولى لي في عام ٢٠١٣ والتي انطلقت من مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة حتى وصلت إلى مطار تاكوما في ولاية واشنطن الاميركية. وأتذكر جيدًا أن معهد اللغة الذي بدأت دراستي فيه كان حقيقة بالنسبة لي مصدرًا للأمان حيث كانوا يشرحون لنا أدق التفاصيل التي قد تبدو بديهية لأهل البلد، لكنها بالنسبة للقادم الجديد قد تصنع فرقا جوهريا بالتجربة. أتذكر جيدا بأنهم كانوا يجيبون عن أسئلة لم نكن نعرف نحن الطلاب الدوليين حتى كيف نسألها، ويختصرون علينا كثيرًا من الحيرة التي ترافق البدايات.

 

يقول العرب: “توضيح الواضحات من الفاضحات،” وربما يكون ذلك صحيحًا في البيئات التي يشترك أفرادها في الثقافة نفسها، حيث تُفهم كثير من التفاصيل دون حاجة إلى شرح عميق. أما عندما تتقاطع الثقافات، فيقول سعد المغامسي بأن “توضيح الواضحات من الضروريات”. حقيقةً ما نعدّه نحن أمرًا بديهيًا قد يكون غامضًا تمامًا لمن يأتي من بيئة مختلفة، وقد تكون أبسط التفاصيل هي أكثر ما يشغل ذهنه في أيامه الأولى. ومن هنا، لم ننظر في معهد المدينة للانغماس باللغة العربية إلى هذه التفاصيل على أنها أمور هامشية، بل جعلناها جزءًا أصيلًا من التجربة التعليمية، وحرصنا على أن تكون موثقة كتابةً، وليس مجرد معلومات تُتداول شفهيًا. فالكلمة المنطوقة قد تُنسى أو تختلف روايتها، أما الكلمة المكتوبة فتبقى مرجعًا يعود إليه الطالب متى احتاج اليها.

 

ولعل من الملاحظات الثقافية التي استوقفتني خلال سنوات الدراسة والعمل، أن كثيرًا من البيئات العربية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التواصل الشفهي؛ سواء في المجالس، أو في بيئات العمل، أو حتى عبر الرسائل الصوتية على “الواتس اب” حتى أصبح هذا الأسلوب جزءًا من الممارسة اليومية في كثير من المؤسسات والمجتمعات العربية. وأظن أن كثيرًا ممن يقرأ هذه السطور سيبتسم لأنه يعرف تمامًا ما أقصده. في المقابل، وجدت أن البيئة الأميركية تميل بصورة أكبر إلى التوثيق الكتابي؛ فالإجراءات والتعليمات، وحتى التفاصيل الصغيرة، غالبًا ما تكون مكتوبة ويمكن الرجوع إليها في أي وقت.

 

ولذلك حرصنا منذ اليوم الأول على أن تكون رحلة الطالب في معهد المدينة مبنية على التوثيق والوضوح؛ فلا يعتمد على ذاكرته أو على ما سمعه من غيره، بل يجد كل ما يحتاج إليه مكتوبًا ومنظمًا بين يديه، بدءًا من أدق التفاصيل اليومية، وحتى المراحل الأكاديمية والإدارية للبرنامج. لذلك استثمرنا وقتًا وجهدًا في إعداد أدلة إرشادية، وملفات تعريفية، ومحتوى يجيب عن عشرات الأسئلة التي قد لا تخطر على بالنا نحن، لكنها تشغل القادم إلى المدينة لأول مرة. وما أسعدني أن أولى رسائل الطلاب بعد وصولهم لم تكن عن اللغة فحسب، بل عن أثر هذه التفاصيل الصغيرة التي ارسلناها لهم قبل وصولهم والتي، وبفضل الله، جعلت بدايتهم أكثر طمأنينة وسلاسة.

 

ولعل السؤال هنا عزيزي القارئ إن كنت تعرفني: كيف انتقل اهتمامي من اللغة الإنجليزية، التي قضيت معها سنوات الدراسة والبحث والتدريس، إلى اللغة العربية لتصبح محورًا رئيسًا في مسيرتي؟ بل إن السؤال يصبح أكثر غرابة إذا علم القارئ أن السنوات الأخيرة انشغلت فيها بعوالم أخرى حتى ابتعدت فيها عن المسار الأكاديمي التقليدي. وحقيقة كلما استرجعت هذه الرحلة، تذكرت فكرة أعجبتني في خطاب ستيف جوبز بجامعة ستانفورد عام ٢٠٠٥؛ إذ تحدث عن أن الإنسان لا يستطيع أن يربط بين محطات حياته وهو يعيشها الان، وإنما ينجح في ربط النقاط عندما ينظر إليها بعد سنوات. وأجد حقيقةً أن هذا الوصف يلخص رحلتي بدقة. فكل محطة بدت لي في وقتها مستقلة عن الأخرى؛ مثل دراسة اللغة الإنجليزية والعمل البحثي والدكتوراه والانشغال بالشركات التقنية وريادة الأعمال، ثم الاهتمام المتزايد باللغة العربية… لكن عندما أنظر إليها اليوم، أراها جميعًا وكأنها كانت تتجه نحو نقطة واحدة. وإن بدت طرقًا متفرقة، فإن كل الطرق كانت تؤدي إلى اللغة العربية.

 

خلال سنوات إقامتي أنا وزوجتي في الولايات المتحدة، كنا نتلقى باستمرار استفسارات من مسلمين يعيشون في تلك الولايات التي أقمنا فيها، يرغبون في القدوم إلى المدينة المنورة، أو يطمحون إلى إرسال أبنائهم لتعلّم اللغة العربية والعيش في بيئتها ولو لفترة من الزمن. وكنا حقيقة نحاول أن نقدم لهم ما نستطيع؛ نرشدهم إلى السكن المناسب، ونجيب عن أسئلتهم المتعلقة بالدراسة، والمواصلات، والحياة اليومية، وكل ما قد يحتاج إليه القادم إلى المدينة لأول مرة.

 

ومع مرور السنوات، لفت انتباهنا أن الأسئلة والاستفسارات نفسها كانت تتكرر من أشخاص وجنسيات وخلفيات مختلفة، مما يعني بأن الجميع يواجه التحديات ذاتها. وهذا جعلنا ندرك أدركنا بوجود فجوة حقيقية وكبيرة جدا في هذا القطاع. وكان علينا أن نعترف بأننا ما زلنا متأخرين في بناء منظومة متكاملة تليق بمكانة المدينة المنورة؛ منظومة تجمع هذه المعرفة وتنظمها وتقدمها بطريقة احترافية، ترافق الطالب منذ لحظة تفكيره في القدوم إلى المدينة المنورة وحتى يستقر فيها.

 

وكان أكثر ما آلمني خلال دراسة هذا الواقع هو أن المبادرة في مثل هذا المجال كان ينبغي أن تنطلق من المدينة المنورة إلى العالم، لا أن تأتي إليها من خارجه. لكن ما وجدناه كان مختلفًا؛ إذ رأينا أفرادًا وشركات من دول متعددة بجوارنا يبنون مبادراتهم الخاصة لاستقبال الراغبين في تعلم العربية، فيستأجرون الشقق السكنية، ويهيئونها للإقامة والدراسة، ويقدمون برامج تمتد لأسابيع أو أشهر. ولم يكن ما لفت انتباهنا هو وجود هذه المبادرات في حد ذاته؛ فكل جهد يُبذل لخدمة اللغة العربية محل تقدير. وإنما ما أثار تساؤلنا هو أن المدينة المنورة، بما تملكه من مكانة دينية، وإرث علمي، وإمكانات بشرية ومؤسسية، لم تكن حاضرة بالقدر الذي يليق بها في قيادة هذا المشهد عالميًا.

 

حقيقة هذا جعلنا نتوصل الى أن إنشاء مثل هذه المنظومة يعتبر الان من الضروريات القصوى التي تستحقها مدينة بحجم المدينة المنورة ومكانتها في قلوب المسلمين. فهي مقصد لملايين المسلمين الذين يتطلعون إلى تعلم اللغة العربية والعيش في بيئتها الأصيلة، ومن حقهم أن يجدوا تجربة تليق بعظمة المكان.

 

ولعل هذه الفكرة لم تكن الوحيدة التي كانت تنمو في تلك السنوات؛ ففي عام 2016، وأثناء دراستنا في جامعة تكساس تيك الاميركية، أطلقت أنا وزوجتي الدكتورة آلاء العمري مبادرةً لخدمة اللغة العربية داخل الجامعة، ثم أسّسنا نادي اللغة العربية إيمانًا منا بأن اللغات هي جسور للتواصل وبوابات لفهم الحضارات والثقافات. ولله الحمد، لاقت هذه المبادرة والنادي تفاعلًا كبيرًا داخل الجامعة حتى أصبحا من المبادرات المعروفة آنذاك، ومازال النادي حتى تاريخ كتابة هذه المقالة. وعلى إثرها أجرت معنا صحيفة اميركية لقاء للحديث عن هذه التجربة، وما زلنا نحتفظ بقصاصة تلك المقالة في منزلنا إلى اليوم. والطريف أنني لم أكن أنوي أصلًا أن أذكر هذه المحطة في هذا المقال. لكنني بعد أن انتهيت من كتابة معظم صفحاته، كنت أبحث عن شيءٍ في مكتبي، فوقعت عيني على تلك القصاصة المعلقة أمامي منذ فترة؛ حقيقةً ابتسمت حينها وكنت سأظلم هذه الرحلة لو أغفلتها. هذه القصاصة وثّقت واحدةً من أولى النقاط في رحلتي هذه؛ نقطةً لم أكن أعلم، وأنا أعيشها، أنها ستقودني بعد سنوات إلى هذه المحطة.. فالحمدلله من قبل ومن بعد.

 

قصاصة من لقائنا مع صحيفة دايلي ديرادور في ولاية تكساس حول نادي اللغة العربية في جامعة تكساس تيك.

 

وبينما كانت هذه الفكرة تنضج في أذهاننا عامًا بعد عام، يسّر الله لنا أسبابًا أخرى بدت مستقلة في حينها، لكنها كانت تقترب جميعًا من الوجهة نفسها.

 

كان أولها مشاركتي في مشروع ضخم تابع لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، يهدف إلى دراسة واقع اللغة العربية في الدول غير العربية. عملنا فيه مع نخبة من الباحثين والخبراء، واستقطبنا متخصصين من مختلف أنحاء العالم، وأجرينا معهم المقابلات وورش التدريب. وخلال ذلك المشروع تعرفت إلى حجم الاهتمام العالمي باللغة العربية، وإلى حجم الفراغ الذي ما زال ينتظر من يملأه. ولأنني كنت أستخدم بريدي الجامعي التابع لجامعة في المدينة المنورة، كان أول سؤال يتكرر عليّ بصورة لافتة من الخبراء الذين نتواصل معهم بعد أن يعرفوا أنني من المدينة المنوّرة: “هل يمكن أن نبني برامج مشتركة معكم؟ لدينا طلاب كثيرون يتمنون الدراسة في المدينة المنورة.”

 

وحقيقة هذا لم يكن سؤالًا عابرًا أو حالة استثنائية، بل حقيقة كان تتكرر بصورة أدهشتني من الصين الى روسيا وغيرها من البلدان، حتى بدأت أشعر حقيقة بأن المدينة المنورة، رغم مكانتها العظيمة في قلوب المسلمين، ما زالت غائبة عن الخارطة العالمية بوصفها وجهة تعليمية متخصصة لتعلم اللغة العربية والانغماس بالعربية، وأن هناك طلبًا حقيقيًا يفوق بكثير ما كنت أتصوره.

 

وفي الوقت نفسه، لم تكن علاقتي باللغة العربية نابعة من هذا المشروع وحده. فقد كانت رسالتي للدكتوراه تتناول السياسات اللغوية العائلية لدى الأسر المسلمة غير العربية، وهي دراسة اثنوجرافية عشت خلالها مع أسر من خلفيات مختلفة، ورأيت، عن قرب، الجهد العظيم الذي يبذله الآباء والأمهات غير العرب، ليحافظوا على صلة أبنائهم باللغة العربية لكي يكبروا وهم قادرون على قراءة القرآن وفهمه والاعتزاز بلغته. حقيقةً كانت تلك الرسالة من أكثر المحطات تأثيرًا في مسيرتي العلمية والإنسانية. فلم تغيّر كثيرًا من قناعاتي فحسب، بل لا أبالغ بأن أقول بأنها عمّقت فهمي لمعنى اللغة العربية في حياة ملايين المسلمين حول العالم. وأعتز بها اعتزازًا كبيرًا لأنها أسهمت -بفضل الله- في إثراء هذا المجال البحثي، وفتحت لي أبواب المشاركة في عدد من المؤتمرات الدولية للحديث عن هذا الموضوع، وكان آخرها مؤتمر الثنائية اللغوية في أستراليا.

 

والمفارقة أن ذلك كله جاء في مرحلة بدأت فيها اهتماماتي تتجه شيئًا فشيئًا نحو ريادة الأعمال، والشركات التقنية، وبناء المنظومات، حتى شعرت أنني أغادر المسار الأكاديمي التقليدي، بينما كانت اللغة العربية، في الحقيقة تزداد حضورًا في حياتي أكثر من أي وقت مضى.

 

وفي مسار آخر، كنت منشغلًا ببناء الشركات التقنية والعمل في مجال الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال. وقد منّ الله عليّ بالتعرف إلى شخصيات استثنائية من مختلف أنحاء العالم، وكان كثير منهم يزور المدينة المنورة باستمرار. والمفارقة ايضا بأن السؤال الذي كنت أسمعه منهم كثيرًا لم يكن عن هذا المجال، بل كان سؤالًا بسيطًا: “ماذا قدمت ياسعد للغة العربية؟”

واليوم، لا أملك إلا أن أحمد الله سبحانه وتعالى؛ فقد يسّر لنا أن نخوض كل تلك التجارب، ثم منحنا القدرة على أن ننظر إليها بعد سنوات فنرى كيف كانت تتكامل مع بعضها البعض… كل محطة وقصة كانت تضيف لبنة في هذا الطريق، وأن كل الطرق كانت تؤدي إلى اللغة العربية.

 

ومنذ اللحظة الأولى اتفقنا على أن النجاح لن يكون في افتتاح معهد جديد، بل في بناء منظومة متكاملة تستحق أن تستمر لسنوات طويلة. لذلك استثمرنا معظم وقتنا خلال الأشهر الماضية في بناء البنية التحتية قبل أن نفكر في استقبال أول طالب. عملنا على تصميم أنظمة تقنية، وربطها بأدوات متعددة، وأتمتة كثير من العمليات، ووضع إجراءات واضحة لكل مرحلة من مراحل رحلة الطالب وأسرته، وتكوين فريق يؤمن برسالة المشروع قبل تفاصيله. كنا نريد أن نبني مؤسسة وليس برنامجًا موسميًا.

 

وبفضل الله: وقبل أن نستقبل أول طالب، بارك الله لنا في هذا المشروع بطريقة لم نكن نتوقعها. فقد استحوذت شركة كبيرة، وهي الشركة المشغلة للمركز العالمي للغة العربية بجامعة الأمير مقرن، على مشروعنا، لنبدأ مرحلة جديدة من العمل مع فريقٍ استثنائي يضم نخبة من الخبرات؛ يتقدمهم ويقودهم أحد الرؤساء السابقين للجامعات السعودية، إلى جانب أحد مستشاري وزير التعليم السابق، وعدد من المتخصصين الذين آمنوا بهذه الرؤية منذ بدايتها، وتشرفنا جميعًا بالعمل معهم للإسهام في بناء هذه المنظومة، مستفيدين مما يسّر الله لنا من خبرات وتجارب. وحقيقةً، لم ننظر إلى هذه الخطوة بوصفها استثمارًا بقدر ما رأينا فيها رسالة ثقة ومسؤولية. وما زادنا يقينًا أننا نسير في الطريق الصحيح أننا، منذ اليوم الأول، لم نجد من شركائنا إلا كل تمكين ودعم وثقة، وإيمان بالفكرة. فالحمد لله أولًا وآخرًا، ومن قبل ومن بعد.

 

وفي هذ الأسبوع رأينا أولى هذه الثمار…الحمدلله.

 

وبفضل الله، استقبلنا أول دفعة من الطلاب بنجاح، وكان أكثر ما أسعدنا حقيقة أن نرى الرضا والسعادة والحماس مرسومة على وجوه طلابنا وطالباتنا. وفي المقابل، رأيت حقيقة فريقًا استثنائيًا؛ فريق الأحلام (د. أحمد بن عبدالعزيز، م. عمر الحربي، أ. محمد الجفالي، أ. عمار الحربي، أ. مروى قربان)؛ أكتب أسماءكم هنا لتبقى شاهدة على هذه البداية، ولأني أعلم أن كثيرًا مما يراه الناس اليوم ما كان ليظهر لولا توفيق الله ثم ما بذلتموه في الخفاء، ولا سيما خلال الأيام الماضية التي شهدت استقبال أكبر عدد من الطلاب في أول تجربة من هذا النوع وفي أوقات مختلفة من اليوم. حقيقة الجميع كان يؤمن بأن ما نبنيه يستحق كل هذا الجهد. فالحمدلله من قبل ومن بعد.

 

كان من بين هذه الدفعة شابٌ أسلم قبل نحو ستة أشهر، وكانت أول أمنية له بعد أن هداه الله إلى الإسلام أن يأتي إلى المدينة المنورة ليتعلم اللغة العربية، وقد تحمّل تكاليف رحلته كاملة على نفقته الخاصة. وحين أخبرني أحد المنسقين بقصته، طلبت اجتماعًا عاجلًا مع فريق العمل كاملًا، بمن فيهم المعلمون. ويسّر الله لي أن أذكر نفسي قبلهم بأن من أجمل عطايا الله للإنسان أن يرزقه عملًا تجتمع فيه مصلحة الدنيا وأجر الآخرة، فيتقنه، ويُرزق عليه، ويحتسب في الوقت نفسه خدمة دين الله وعباده. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أننا لا نعلّم لغةً فحسب، بل نتعامل مع قصصٍ كتب الله لها أن تبدأ من هنا بإذن الله قد لا نرى أثرها اليوم، لكن ربما يحمل أحد هؤلاء الطلاب العربية إلى أسرته أو مجتمعه أو إلى أجيال تأتي من بعده، فيكون لنا نصيب من ذلك الأجر بفضل الله.. فالحمدلله من قبل ومن بعد.

 

وفي الختام، أحمد الله سبحانه وتعالى على ما يسّر، وأسأله أن يبارك في هذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلابه ومعلميه وكل من أسهم فيه ولو بكلمة أو جهد أو دعوة.

 

اللهم إن كان في هذا المشروع خيرٌ لدينك، وللغة كتابك، ولعبادك، فأتمه علينا، وبارك لنا فيه، وأعنّا على الإخلاص والإتقان، ولا تجعل لنا فيه حظًا من رياء أو سمعة، واجعلنا مفاتيح للخير ومغاليق للشر.

 

والحمد لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على ما أنعم، وله الحمد على ما سيأتي. ونسأل الله سبحانه أن يبارك في هذا العمل، وأن يجعل له أثرًا طيبًا يمتد بعد انقضاء الأعمار، وينفع به من شاء من عباده، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


  انتهى،،،

سعد المغامسي
٥ يوليو ٢٠٢٦
المدينة المنورة

الصورة التذكارية للدفعة الأولى من طلاب معهد المدينة للانغماس باللغة العربية، المدينة المنورة، 2026.
الصورة التذكارية للدفعة الأولى من طلاب معهد المدينة للانغماس باللغة العربية، المدينة المنورة، 2026.
3.7 3 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments